محمد بن جرير الطبري
384
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى السراج المنير أحمد لا * يعدلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع الن * أس إلي العيون وارتقبوا وقيل أفرطت بل قصدت ولو * عنفني القائلون أو ثلبوا لج بتفضيلك اللسان ولو * أكثر فيك الضجاج واللجب أنت المصفي المحض المهذب في الن * سبة إن نص قومك النسب فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قاصد بذلك أهل بيته ، فكنى عن وصفهم ومدحهم بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وعن بني أمية بالقائلين المعنفين ؛ لأَنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيله ، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله . وكما قال جميل بن معمر : ألا إن جيراني العشية رائح * دعتهم دواع من هوى ومنادح فقال : " ألا إن جيراني العشية " فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه ، ثم قال : " رائح " ؛ لأَن قصده في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم . وكما قال جميل أيضا في كلمته الأَخرى : خليلي فيما عشتما هل رأيتما * قتيلا بكى من حب قاتله قبلي وهو يريد قاتلته ؛ لأَنه إنما يصف امرأة فكنى باسم الرجل عنها وهو يعنيها . فكذلك قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه مقصود به قصد أصحابه ؛ وذلك بين بدلالة قوله : وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ الآيات الثلاث بعدها على أن ذلك كذلك . أما قوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولم يقل ملك السماوات ، فإنه عنى بذلك ملك السلطان والمملكة دون الملك ، والعرب إذا أرادت الخبر عن المملكة التي هي مملكة سلطان قالت : ملك الله الخلق ملكا ، وإذا أرادت الخبر عن الملك قالت : ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه ملكا وملكة وملكا . فتأويل الآية إذا : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأَرض وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر منها ما أشاء ؟ وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ، وأنكروا محمدا صلى الله عليه وسلم ، لمجيئهما بما جاء به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة . فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأَرض وسلطانهما ، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته ، عليهم السمع له والطاعة لأَمره ونهيه ، وإن له أمرهم بما شاء ونهيهم عما شاء ، ونسخ ما شاء وإقرار ما شاء ، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه : انقادوا لأَمري ، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ من أحكامي وحدودي وفرائضي ، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي ، فإنه